محمد أبو زهرة
1848
زهرة التفاسير
أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ لا بد من أن تفسر الكلمتان بمعنيين متغايرين ، وقد تكلم في ذلك المفسرون ، وأحسن ما رأينا هو ما قاله الزمخشري من أن السوء هو ما يكون فيه أذى للغير ، كالقذف والشتم والسب ، ونحو ذلك ، وأما ما يكون فيه ظلم للنفس ، فهو ما لا يكون فيه أذى مباشر للغير ابتداء ، كالفاحشة ، وشرب الخمر ، وترك الصلاة والصوم والحج ، وغير ذلك من المعاصي التي لا تتجاوز غير صاحبها مباشرة وابتداء ، وإن كانت في مآلها تتعدى إذا تفشت الأمة وكثرت فيها . ولا بد أن نذكر بإجمال عبارات في بعض الإشارات البيانية القرآنية : الأولى - عن التعبير بقوله تعالى : وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً فإن هذا التعبير يشير إلى أن نفسه لم تركس في الشر ، ولم يستغرقها ، بل إنه عمل عارض ، ولذا كان التعبير يَعْمَلْ ، وهذا في مقابل قوله في الطبقة الثانية : يَكْسِبْ ، فإن الكسب كما تبين يشير إلى تدنس النفس ، وارتكاسها في الشر ، أما العمل ففي ظاهر الأمر إنه لا يتجاوز الجوارح ؛ ولذا كانت التوبة قريبة ، وكان الاستغفار غير بعيد . الثانية - أن التعبير عن المعاصي الشخصية التي لا تتعدى صاحبها ابتداء بظلم النفس ، فيه معان واضحة ، فهي تفيد أن كل ما نهى الله عنه فلمصلحة العبد ، فإن تجاوز حدود ما نهى الله عنه فقد وقع في ضرر مؤكد . وفيه تنبيه إلى أن المعاصي ، سواء أكانت إيجابية كشرب الخمر ، أم سلبية كترك الصلاة والصوم ، مغبة وقوعها تكون على العبد ابتداء ، ثم تكون على غيره من بعد . وفي الحق أن كل ما نهى الله عنه ، وما أمر به فهو لمصلحة الجماعة ، ومخالفة أمر الله فيه ظلم للنفس وإساءة للمجتمع ، بيد أن بعضه يكون أثره مباشرا ، إما على الغير كالقتل والاعتداء بكل أنواعه ، أو يكون أثره المباشر على شخص المرتكب ، ثم يتعدى إلى المجتمع من وراء ذلك ، حتى أن من ظلم النفس عده الله تعالى اعتداء على حقه تعالى ، كالزنا وشرب الخمر ، وكونه ظلما للنفس لا يمنع أنه اعتداء على حق الله تعالى وذلك للمآل والآثار ، لا بالمباشرة .